القاضي عبد الجبار الهمذاني
375
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فكما لا يحسن من العبد دفع ما يخافه من الأمراض بما يتحمله من الضرر إذا كان له سبيل إلى دفعه بغير ذلك ، فيجب أن لا يحسن منه تعالى ذلك لهذا الوجه . على أنه تعالى يصح منه ويحسن أن يسقط العقاب عن العبد من غير الضرر المتقدم فلا يجوز أن يفعله لأجل ذلك . فإن قال : يحسن أن يفعله لذلك إذا كان فيه مصلحة كما تقولون في العوض . قيل له : إنا أجزنا ذلك في العوض لأنه قد ثبت في الشاهد أنه لا يحسن لأجله فقط دون أن ينضاف إليه ما يخرج به من كونه عبثا كإيصال الأجرة إلى الأجير لعمل لا نفع فيه البتة . وليس كذلك حال الضرر إذا دفع به ضررا أعظم منه ؛ لأنه لا يجوز وحاله هذه أن يقع عبثا فيطلب فيه وجه سواه . وفي ذلك صحة ما ذكرناه . ومما يدل على ما ذكرناه أن من حق ما يستحق بالمضاد وما يجرى مجراها أن يكون حقا مشارا إليه ، ولا يكون كذلك إلا بأن يكون نفعا أو ضررا أو إبطال نفع مستحق أو ضرر مستحق . ومتى لم يكن كذلك لم يصح دخوله في الاستحقاق . وإذا صح ذلك فكيف يجوز أن يستحق العبد من اللّه تعالى بالمضار أن لا يفعل به ضررا أعظم منه . وذلك لا يتضمن إثبات حق ولا إبطاله . ومما يدل على ما قلناه أن كل / ضرر يفعل بالغير لدفع ضرر أعظم منه فمن حقه إذا تمكن هو من دفعه بالضرر اليسير أن يكون ملجأ إلى ذلك ؛ فلو كان تعالى يفعل بالعبد الضرر على هذا الواجب ، لوجب متى علم العبد الوجه الّذي فعله تعالى أن يكون ملجأ إلى مثله . وقد علمنا أن العبد لا يصير ملجأ إلى إزالة العقاب البتة . فكيف يصح منه تعالى أن يفعل المضرة لهذا الوجه ؟ وأما ما يفعله للنفع فالواحد منا يفعله لنفسه على كل وجه من غير إلجاء ؛ فغير ممتنع منه تعالى أن يفعله بالعبد على هذه الطريقة .